خبير الاعشاب والتغذية العلاجية عطار صويلح منذ عام 1986

الأحد، 11 ديسمبر 2016


حاسة الشم


تُساعِدُ حاسةُ الشمّ الإنسانَ على الاستمتاع بحياته، فهي وسيلتهٌ للتنعُّم بروائح الطعام المُفضَّل أو عبق الورود، ناهيك عن كونها تعمل أيضاً مثل جهاز إنذارٍ عندَ حدُوث تسرُّب للغاز مثلاً، أو عندما يكون الطعامُ فاسِداً أو عند اندلاع حريق. يُمكن أن يُؤدِّي أيُّ ضعف في حاسة الشمّ إلى تأثيرٍ سلبيٍّ في نوعية حياة الإنسان، وقد يكون علامةً أيضاً تُشيرُ إلى مشاكل صحيَّة خطيرة.
تزداد مشاكلُ حاسة الشمّ مع تقدُّم الإنسان في العُمر، وهي أكثر شُيوعاً عندَ الرِّجال بالمُقارنة مع النِّساء، حيث أشارت إحدى الدراسات إلى أنَّ نسبةً تصِل إلى حوالي 25 في المائة من الرِّجال، الذين تتراوَح أعمارهم بين 60 إلى 69 عاماً، يُعانون من اضطرابات الشمّ، بينما تصِل هذه النسبة إلى حوالي 11 في المائة فقط بالنسبة إلى النِّساء في نفس الفئة العمريَّة.
كما يُعاني العديدُ من الأشخاص، الذين لديهم اضطراباتٌ في الشمّ من، مشاكِلَ في حاسة التذوُّق أيضاً.


كيف تعمل حاسة الشمّ؟
تُعدُّ حاسةُ الشمّ، مثلها مثل حاسة التذوُّق، جزءاً من الجهاز الحسِّي الكيميائيّ chemosensory system عندَ الإنسان، أو واحِدة من الحواس الكيميائيَّة.
تأتي القُدرةُ على الشم من خلايا حسيَّة خاصَّة تُسمَّى الخلايا العصبيَّة الشمِّية olfactory neurons، وهي موجودةٌ في رُقعةٍ صغيرة من النسيج في أعلى الأنف من الدَّاخل؛ وترتبِط هذه الخلايا مُباشرةً بالدِّماغ، ويُوجد لدى في خليَّة منها مُستقبِلة للرائحة odor receptor. تُنبِّهُ الجزيئات المجهريَّة التي تصدر عن المواد الموجودة في مُحيطنا هذه المُستقبِلات؛ وعندما تكتشف الخلايا العصبية هذه الجزيئات، تُرسل رسالةً إلى الدِّماغ الذي يتعرَّف إلى الرائحة. يفوق عددُ الروائح في البيئة التي نعيش فيها عددَ المُستقبِلات، وقد يُنبِّه أيّ جزيء مُعيَّن توليفةً من المُستقبِلات، ممَّا يُؤدِّي إلى تكوين تمثيلٍ فريدٍ في الدِّماغ الذي يقوم بحفظ هذا التمثيل كرائحةٍ مُعيَّنةٍ.
تصِلُ الروائِحُ إلى الخلايا العصبيَّة الشمِّية عبر سبيلين: المنخران nostrils أوَّلاً ثُم قناة تصِلُ سقف الحلق بالأنف ثانياً. يُؤدِّي مضغُ الطعام إلى إصدارِ روائِح تصِلُ إلى الخلايا العصبيَّة الشمِّية عبر القناة الثانية، أي التي تصِل سقف الحلق بالأنف. إذا كانت هذه القناةُ مسدودةً، مثل ما يحدُث عندَ الإصابة بالزكام أو الأنفلونزا، لا تستطيع الروائحُ الوُصولَ إلى الخلايا الحسيَّة التي تُنبِّهها هذه الروائِح، ولذلك يفقِدُ الإنسان الكثيرَ من قُدرته على الاستمتاع بنكهات الطعام. وبهذه الطريقة، تعمل حاسةُ الشمّ مع حاسة التذوُّق معاً.
يصعُب التمييزُ بين النكهات المألوفة، مثل الشوكولاتة أو البرتقال، من دون الخلايا العصبيَّة الشمِّية، ومن دون حاسة الشمّ، حيث يبدو الطعامُ بلا طعم أو بلا نكهة تقريباً؛ ويشعر بعض الناس بالمفاجأة عندما يذهبون إلى الطبيب بسبب ضعف حاسة التذوُّق لديهم، ولكنهم يكتشفون أنَّ الضعفَ هُو في حاسة الشمّ بدلاً من ذلك.
كما تتأثَّر حاسةُ الشم أيضاً بشيءٍ يُسمَّى الحاسة الكيميائيَّة المشتركة common chemical sense، وتنطوي هذه الحاسَّة على الآلافِ من النِهايات العصبيَّة، خصوصاً على السطح الرطب للعينين والأنف والفم والحلق. تُساعِدُ هذه النِّهايات العصبيَّة على الإحساس بالمواد المُهيِّجة، مثل قدرة البصل على تحريض الدَّمع، أو البرود المُنعِش للمنثول menthol.


ما هي اضطرابات الشمّ؟
• يُعاني الأشخاصُ الذين لديهم اضطرابات الشمّ إمَّا من تراجع في القدرة على الشمّ، أو من تغيُّراتٍ في طريقة إدراك الروائِح.
• نقص الشمّ hyposmia، وهُو ضعفٌ في القدرة على اكتشاف الروائِح.
• فقد الشمّ anosmia، وهُو عدم القدرة نهائياً على اكتشاف الروائِح؛ وفي حالاتٍ نادرةٍ، قد يُولَد الإنسان من دون حاسة الشمّ (فقد الشمّ الخلقيّ congenital anosmia).
• خطل الشمّ parosmia، وهو تغيُّر في الإدراك الطبيعيّ للروائِح، مثل تبدُّل رائحة شيء مألوف، أو عندما تتحوَّل الرائحة الذكية في العادة إلى رائحة كريهة.
• الشمّ الاستيهاميّ (الهلوسة الشمِّية phantosmia)، وهو الإحساسُ برائحة غير موجودة فعلياً.


ما الذي يُسبِّبُ اضطرابات الشمّ؟
هناك عدَّةُ أسباب لاضطرابات الشمّ، ويكون بعضها أكثرَ وضوحاً من البقيَّة. تحدُث اضطراباتُ الشمّ عندَ معظم الناس من بعد الإصابة بمرض أو التعرُّض إلى إصابة، وتنطوي الأسبابُ الشائعة لاضطرابات الشمّ على:
• الشيخُوخة.
• العدوى في الجيوب والمسالك التنفسية العليا.
• التدخين.
• الناميات في الجوفين الأنفيَّين nasal cavities.
• إصابات الرَّأس.
• الاضطرابات الهرمونيَّة.
• مشاكل الأسنان.
• التعرُّض إلى مواد كيميائيَّة مُعيَّنة، مثل مُبيدات الحشرات والمواد المُذِيبة.
• العديد من أنواع الأدوية، مثل بعض المُضادَّات الحيويَّة الشائعة ومُضادات الهيستامين antihistamines.
• العلاج الإشعاعيّ لسرطان الرَّأس والعُنق.
• المشاكل الصحيَّة التي تُصيب الجهاز العصبيّ، مثل داء باركنسون Parkinson’s disease أو ألزهايمر Alzheimer's disease.


كيف يجري تشخيصُ اضطرابات الشمّ وعلاجها؟
يُعالِجُ طبيبُ الأذن والأنف والحنجرة اضطرابات الشمّ والتذوُّق معاً، وينطوي تقييمُ اضطراب الشمّ على فحص سريريّ للأذن والأنف والحلق ومراجعة التاريخ الصحي، مثل التعرُّض إلى المواد السُّمِيَّة أو الإصابات، واختبار للشمّ.
هناك طريقتان شائعتانِ لاختبار الشمّ، صُمِّمت الطريقةُ الأولى لقياس أصغر كميَّة من الرائحة التي يستطيع الإنسان اكتشافها، بينما تنطوي الطريقةُ الثانية على التعرُّف إلى أنواع مُعيَّنة من الروائح المُختلِفة؛ وإذا لم يتمكَّن الشخصُ من شمّ الرائحة أو أخطأ في التعرُّف إليها، قد يُشير هذا إلى اضطراب في الشمّ أو ضعف في القدرة على الشمّ.
من المهمِّ تشخيصُ الحالة من قِبَل الطبيب للتعرُّف إلى السبب الكامِن وعلاجه؛ وإذا كانت الأدوية هي السبب، يُمكن أن يُحدِّد الطبيبُ ما إذا كان تخفيض الجرعة أو تغيير الدواء يُساعد على التقليل من تأثيراته في حاسة الشمّ. إذا كانت السلائل (الزوائد اللحمية) polyps تُعِيق جريانَ الهواء في الأنف، قد يحتاج الأمرُ إلى الجراحة لاستئصالها واستعادة حاسة الشمّ.
يستعيدُ بعضُ الناس القدرةَ على الشمّ عندما يتعافون من مرضٍ يُسبِّبُ ضعف هذه الحاسَّة، بينما يستعيد البعضُ الآخر هذه القدرة تلقائياً ومن دون سببٍ واضِحٍ.


هل اضطرابات الشمّ خطيرة؟
تُمارِسُ حاسةُ الشمّ دوراً مهماً في حياة الإنسان مثلها مثل بقيَّة الحواس، فهي تُعدُّ علامةَ تحذير أولى، وتُنبِّهُ الإنسان إلى دخان النار والطعام الفاسِد أو رائحة تسرُّب الغاز الطبيعيّ أو الأدخِنة الخطيرة.
يُمكن أن يُؤدِّي ضعفُ حاسة الشمّ عند البعض إلى تغيُّراتٍ في عادات الأكل لديهم؛ فقد يتناول البعض كمياتٍ قليلةٍ جداً من الطعام وينقص وزن البدن لديهم، بينما قد يتناول آخرون الكثير من الطعام ويكتسِبون وزناً زائداً. كما يفقد الطعام أيضاً الكثير من المتعة في تناوله، وقد يستخدم الإنسان الكثيرَ من الملح لتحسين النكهة، ممَّا يزيد من خطر بعض المشاكل الصحيَّة مثل ارتِفاع ضغط الدَّم أو مرض الكُلى. ويُمكن أن تُؤدِّي الحالات الشديدة من ضعف حاسة الشمّ إلى الاكتئاب.
قد تكون مشاكلُ الحواس الكيميائيَّة علامةً تُشيرُ إلى مشاكل صحيَّة أخرى، مثل داء باركنسون أو مرض ألزهايمر أو التصلُّب المُتعدِّد multiple sclerosis. كما قد ترتبِطُ بمشاكل صحيَّة أخرى أيضاً، مثل البدانة والسكَّري وارتِفاع ضغط الدَّم وسوء التغذِية malnutrition

0 Comments:

جميع الحقوق محفوظة لــ الامراض النسائية
تعريب وتطوير ( ) Powered by Blogger Design by Blogspot Templates